أحمد بن علي الرازي
68
شرح بدء الأمالي
الفعل فيحتاج إلى دليل إثباتها ومقارنتها ، فالدليل على إثباتها قال الله تعالى : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ [ هود : 20 ] . ذمهم على ذلك ، والذم يلحقهم بانعدام القدرة الحقيقية عند وجود سلامة الآلات ، وصحة الأسباب ، لا بانعدام سلامة الآلات والأسباب ؛ لأن انتفاء تلك الاستطاعة لا يكون بتصنيعه بل الأصل بغير صنعة ، فلم يلحقه الذم بالامتناع « 1 » عن الفعل عند انتفائها ، قوله تعالى : أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ الكهف : 72 ] . عتابه على ترك الصبر إذ لو كان المراد بها سلامة الآلات ، وصحة الأسباب ، لما عاتبه على ترك الصبر . وأما الحقيقة فإنا نجد إنسانا سليم الجوارح ليس بذى آفة وهو قادر على حمل خمسين رطلا ، ووجدناه قادرا على حمل مائة رطل ، وأيضا على العكس ، ثم وجدناه [ 25 ] في حالة أخرى غير قادر على حمل شيء ما ، مع أن سلامة الآلات وصحة الأسباب لم تختلف . فعلم أن هاهنا أمرا آخر غير استطاعة الحال وهو الّذي نريده ، وإذا ثبت وجوده بهذه الاستطاعة فنقول دليلا على أنها مقارنة بالفعل ؛ لأنه لو كان سابقة عليه لانعدمت عند وجود الفعل ؛ لأنه لا بد لها عند وجود الفعل ؛ لأنها لو لم يكن عند وجود الفعل لكان وجود الفعل بدون القدرة محالا ولا يتصور بقاؤها إلى وقت وجود الفعل لو جهين أحدهما : أن البقاء من قبيل الأعراض ، والقدرة عرض ، فلو بقيت إلى وقت وجود الفعل
--> ( 1 ) اعلم أن الامتناع نوعين : الأول : امتناع وصفى . والثاني : امتناع ذاتي ، والامتناع الذاتي يسقط التكليف بقدر المانع ، كعدم قدرة المصلى على القيام لعجز به ، أما الوصفي فلا يسقط التكليف ، وهو لعدم قدرة المصلى على القيام تكاسلا لأن الامتناع الوصفي لا ينافي الإمكان الذاتي وكذلك إمكانية إزالة المانع تنفى كونه مانعا ولا تسقط الحكم كالجنب والمحدث لأنهما مأموران بالصلاة حال تلبسهما بمانع فيجب عليهما إزالته لتصح منهما وإلا فالحكم قائم وكذلك الكافر يتمكن من إزالة المانع وهو الكفر فتصح منه العبادات والمعاملات فإن لم يزل المانع وهو امتناع وصفى لم يسقط بالمانع الخطاب الّذي هو التكليف ولا ينافيه لإمكانه الذاتي أما إن كان المانع ذاتيا فيلزم من وجوده منع الحكم أو منع السبب ولا يلزم من عدمه وجود الحكم ولا عدمه لذاته . ( انظر المداخل الأصولية ) .